محمد بن جرير الطبري
34
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ وكما قال : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ وقال آخرون : عنى الله تعالى ذكره بقوله : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ الملائكة والمؤمنين . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد عن قتادة وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال : يقول اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ الملائكة . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، قال : اللاعنون من ملائكة الله والمؤمنين . وقال آخرون : يعني باللاعنين : كل ما عدا بني آدم والجن . ذكر من قال ذلك : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال : قال البراء بن عازب : إن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كان عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد ، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه ، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته ، إلا الثقلين الجن والإِنس . حدثنا المثنى ، قال ، ثنا إسحاق ، قال ، ثنا أبو زهير ، عن جويبر ، عن الضحاك في قوله : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ قال : الكافر إذا وضع في حفرته ضرب ضربة بمطرق فيصيح صيحة يسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن والإِنس فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه . وأولى هذه الأَقوال بالصحة عندنا قول من قال : اللاعنون : الملائكة والمؤمنون ؛ لأَن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين ، فقال تعالى ذكره : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ فكذلك اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حالة بالفريق الآخر الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس ، هي لعنة الله التي أخبر أن لعنتهم حالة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار ، وهم اللاعنون ، لأَن الفريقين جميعا أهل كفر . وأما قول من قال : إن اللاعنين هم الخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبيب الأَرض وهوامها ، فإنه قول لا تدرك حقيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تقوم به الحجة ، ولا خبر بذلك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز أن يقال أن ذلك كذلك . وإذ كان ذلك كذلك ، فالصواب من القول فيما قالوه أن يقال : أن الدليل من ظاهر كتاب الله موجود بخلاف أهل التأويل ، وهو ما وصفنا . فإن كان جائزا أن تكون البهائم وسائر خلق الله تلعن الذين يكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوته ، بعد علمهم به ، وتلعن معهم جميع الظلمة ، فغير جائز قطع الشهادة في أن الله عنى باللاعنين البهائم والهوام ودبيب الأَرض ، إلا بخبر للعذر قاطع ، ولا خبر بذلك وظاهر كتابا لله الذي ذكرناه دال على خلافه . القول في تأويل قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يعني تعالى ذكره بذلك أن الله واللاعنين يلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي أنزله الله وبينه للناس ، إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم وراجع التوبة بالإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والإِقرار به وبنبوته ، وتصديقه فيما جاء به من عند الله وبيان ما أنزل الله في كتبه التي أنزل إلى أنبيائه من الأَمر باتباعه ، وأصلح حال نفسه بالتقرب إلى الله من صالح الأَعمال بما يرضيه عنه ، وبين الذي علم من وحي الله الذي أنزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه وأظهره فلم يخفه . فأولئك ، يعني هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصفت منهم ، هم الذين أتوب عليهم ، فأجعلهم من أهل الإِياب إلى طاعتي والإِنابة إلى مرضاتي . ثم قال تعالى ذكره : وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ يقول : وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عني إلي ، وأردها بعد إدبارها عن طاعتي إلى طلب محبتي ، والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إلي أتغمدهم مني بعفو وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم بفضل رحمتي لهم . فإن قال قائل : وكيف يتاب على من تاب ؟ وما وجه قوله : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وهل يكون تائب إلا وهو متوب عليه أو متوب عليه إلا وهو تائب ؟ قيل : ذلك مما لا يكون أحدهما إلا والآخر معه ، فسواء قيل : إلا الذين تيب عليهم فتابوا ، أو قيل : إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم ؛ وقد بينا وجه ذلك فيما جاء من الكلام هذا المجيء في نظير فيما مضى من كتابنا هذا ، فكرهنا